السبت، 8 ديسمبر، 2007

إياس بن معاوية المزني
وُلِد إياسُ بن معاوية بن قُرِّةَ المزني سنة 46 للهجرة في منطقة اليمامة في نجد ، وانتقل مع أسرته إلى البصرة ، وبها نشأ وتعلَّم ، وتردَّد على دمشق في يفاعته ، و أخذ عمن أدركهم من بقايا الصحابة الكرام وجِلَّة التابعين ، ولقد ظهرت على الغلام المزني أماراتُ الذكاء منذ نعومة أظفاره ، وأكبَّ هذا الفتى على العلم ، ونهل منه ما شاء اللهُ أن ينهل ، حتى بلغ منه مبلغا جعل الشيوخَ ، يخضعون له ، ويأتمُّون به ، ويتتلمذون على يديه على الرغم من صغر سنه ، والعالم شيخ ولو كان حدَثًا ، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخا ، وذات مرة زار عبدُ الملك بن مروان البصرة قبل أنْ يَليَ الخلفة ، فرأى إياسا وكان يومئذٍ فتًى يافعا ، لم ينبت شاربُه بعد ، ورأى خلفه أربعةً من القراء من ذوي اللحى بطيالستهم الخضر ، وهو يتقدَّمهم ، فقال عبد الملك : أُفٍّ لأصحاب هذه اللحى ، أمَا فيهم شيخٌ يتقدَّمهم ، فقدَّموا هذا الغلام ، ثم التفت إلى إياس ، وقال : يا غلام كم سنُّك ؟ - أي ازدراءً له - فقال : أيها الأمير سني أطال بقاءَ الأمير كسنِّ أسامة بن زيد حين ولاَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم أبو بكر وعمر ، فقال له عبد الملك : تقدَّم يا فتى تقدَّم - أي علمُك قدَّمك - بارك الله فيك
وشاعت أخبارُ ذكاء إياس ، وذاعت وصار الناسُ يأتونه من كل حدب وصوب ، ويلقون بين يديه ما يعترضهم من مشكلات في العلم والدين . لما ولِيَ القضاءَ جاءه رجلان يتقاضيان عنده ، فادَّعى أحدُهما أنه أودع عند صاحبه مالا ، فلما طلبه منه جحده ، فسأل إياسُ الرجلَ المدَّعَى عليه عن أمر الوديعة فأنكرها ، وقال : إن كانت لصاحبي بيِّنة فليأتِ بها ، وإلا فليس له عليَّ إلا اليمين ، لا يوجد بيِّنة ، فلما خاف إياسٌ أن يأكل الرجلُ المالَ بيمينه التفت إلى المودِع ، وقال له : في أيِّ مكان أودعته المالَ ؟ أي أعطيته، قال : في مكان كذا ، قال : وماذا يوجد في ذلك المكان ؟ قال : شجرة كبيرة جلسنا تحتها ، وتناولنا الطعام معًا في ظلِّها ، ولما هممنا بالانصراف دفعتُ إليه المالَ ، فقال له إياسٌ : انطلِق إلى المكان الذي فيه الشجرة فلعلَّك إذا أتيتها ذكَّرتك أين وضعت مالك ، ونبَّهتْك إلى ما فعلته به، فجعل المدَّعي يذهب إلى الشجرة ، وأوهمَ المتَّهم أنه بريء ، اذهب أيها الرجل إلى الشجرة فلعلك نسيت المالَ هناك ، هذا بريء ، قال : ثم عُد إليَّ لتخبرني بما رأيت ، فانطلق الرجل إلى المكان، وقال إياس للمدَّعى عليه : اجلس إلى أن يجيء صاحبُك ، فجلس ، ثم التفت إياس إلى من عنده من المتقاضين ، وطفق يقضي بينهم ، وهو يرقب الرجل بطرفٍ خفيٍّ ، حتى إذا رآه قد سكن - ارتاحت نفسُه وكأنه صار بريئا ، واطمأن ، التفت إليه وسأله على عجل : أتقدِّر أن صاحبك قد بلغ الموضع الذي أعطاك فيه المال ؟ هل تقدِّر أنه وصل إليه ؟ قال له : لا إنه بعيد من هنا ، فقال له إياس : يا عدوَّ الله تجحد المالَ ، وتعرف المكان الذي أخذته فيه ، تركه ينسى، و تركه يطمئن ، وسأله فجأة ، صاحبك وصل إلى الشجرة في تقديرك ؟ إلى المكان الذي أخذت فيه المالَ، هل وصل إليه صاحبُك ، لا المكان بعيد ، لا يزال في الطريق ، واللهِ إنك لخائن ، فبُهِت الرجل ، وأقرَّ بخيانته ، فحبسه حتى جاء صاحبُه ، وأمره بردِّ وديعته إليه .
(و. 46 هـ) قاضي البصرة.

ليست هناك تعليقات: